يعتبر حج بيت الله الحرام الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو العبادة التي تختصر معاني التجريد الكامل لله والوحدة الجامعة لأمة الإسلام، فالحج ليس مجرد سفر إلى بقاع مقدسة، بل هو رحلة روحية كبرى يترك فيها العبد ماله وأهله وزينته، ليقف بين يدي خالقه بملابس الإحرام البيضاء التي لا تفرق بين ملك ومملوك، أو غني وفقير، مجسداً بذلك أعظم مشهد للمساواة الإنسانية تحت راية التوحيد، ومن عظمة هذه الفريضة أنها لا تجب في العمر إلا مرة واحدة على من استطاع إليها سبيلاً، رحمةً من الله بعباده وتيسيراً عليهم، وهي الجائزة الكبرى التي وعد النبي ﷺ من أداها بإخلاص وتجنب الرفث والفسوق بأن يرجع من ذنوبه طاهراً نقياً كيوم ولدته أمه.
والاستطاعة في الحج تشمل القدرة المالية والبدنية وأمن الطريق، مما يعكس واقعية الإسلام ورفقه بالبشر، ولكن المشتاق لبيت الله يبدأ حجه بالنية الصادقة قبل أن تصل قدماه إلى مكة، فالنية الصالحة تفتح أبواب البركة وتيسر السبل، والمسلم الذي لم يكتب له الحج بعد، يمكنه أن يعيش معاني هذه الفريضة بالتعلق برب البيت والإحسان إلى خلقه، فكل عمل صالح يقرب إلى الله هو في جوهره تلبية لندائه، ولنتذكر دائماً أن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وهو ليس نهاية المطاف الإيماني، بل هو بداية لعهد جديد مع الله، يلتزم فيه العبد بالاستقامة والخير، ليكون سفيراً للإسلام في أهله ومجتمعه، حاملاً معه أنوار الحرم وبركات ضيافة الرحمن إلى كل من حوله.
إن الحكمة من تشريع الحج تتجلى في كونه مؤتمراً سنوياً عاماً للمسلمين من شتى بقاع الأرض، حيث تذوب فيه القوميات واللغات والألوان في صعيد واحد، ففي الوقوف بعرفة يتدرب المؤمن على مشهد يوم الحشر، فيستشعر عظمة الخالق وضآلة الدنيا، وفي الطواف حول الكعبة يجدد العبد عهده مع ربه بأن يكون الله هو مركز حياته وقبلة طموحاته، كما أن السعي بين الصفا والمروة واسترجاع قصة السيدة هاجر يعلم المسلم الصبر وحسن التوكل على الله وبذل الأسباب مهما بلغت الصعوبات، فالحج مدرسة تربوية مكثفة، تصهر النفس في بوتقة الطاعة، وتخرجها نقية من دنس الأنانية والكبر، ليعود الحاج بقلب جديد يملؤه التواضع وتحفه السكينة.
IT
