جواهر الإسلام في ثوب العادات: نحو مجتمع يسوده اليسر والرقي
إن المتأمل في شريعة الإسلام يجدها لم تأتِ لتقييد حريات الناس أو محاربة أفراحهم، بل جاءت لتهذيب الفطرة وضبط العادات بما يحقق السعادة للجميع. ومع مرور الزمن، تراكمت فوق تقاليدنا بعض الغبار من المباهاة والتكلف، مما جعل “العادة” عبئاً يثقل كاهل “العبادة”، وأصبحنا بحاجة ماسة لاستعادة روح البساطة التي هي جوهر ديننا الحنيف.
تبدأ هذه العودة من بيوتنا وأفراحنا؛ فبعد أن كان الزواج سكناً ومودة، تحول في كثير من المجتمعات إلى معركة مادية طاحنة. إن المبالغة في تكاليف الأعراف، من مهور باهظة وحفلات تقام للمفاخرة، لا تزيد الزواج إلا تعقيداً، وتنزع منه تلك البركة التي وعد بها النبي ﷺ حين جعل “أيسر النساء مؤونة” أعظمهن بركة. إن البساطة في الفرح ليست دليلاً على الحاجة، بل هي رقيّ أخلاقي يراعي مشاعر الآخرين، ويفتح أبواب الحلال للشباب، ويجعل ليلة الزفاف انطلاقة لحياة هادئة لا بداية لرحلة مع الديون والهموم.
خلق الكرم و إكرام الضيف
وعلى ذات النهج من التوسط، نجد خلق الكرم وإكرام الضيف. لقد رفع الإسلام شأن الضيافة حتى جعلها قرينة الإيمان بالله واليوم الآخر، ولكن شتان بين كرمٍ يخرج من “قلبٍ رحب” وبين مباهاة تخرج من “جيبٍ مثقل”. إن فن الضيافة الحقيقي يكمن في بشاشة الوجه ولين الكلام وتقديم ما تيسر من رزق الله دون تكلف يشق على صاحب البيت أو يحرج الضيف. فعندما يتحول إعداد الطعام إلى سباق للتباهي على منصات التواصل الاجتماعي، تضيع قيمة “الإطعام” وتتحول إلى “إسراف” منهي عنه، ويصبح التواصل الاجتماعي عبئاً يتهرب منه الناس خشية العجز عن مجاراة الآخرين.
إن أخلاق المسلم تظهر بوضوح في تعامله مع الأماكن العامة، فحق الطريق أمانة يُسأل عنها المرء. ومن أعلى مراتب الرقي الديني أن نحرص على “إماطة الأذى” وعدم إزعاج الآخرين. وهذا يشمل خفض الأصوات في المناقت والحرص على هدوء الجيران، خاصة في ساعات الليل. كما يتجلى هذا الخلق في احترام مواقف السيارات، فلا يليق بمصلٍّ يقصد بيت الله أن يغلق الطريق بسيارته أو يعيق حركة المارة، فالدين الذي أمرنا بالصلاة هو نفسه الذي أمرنا بكفّ الأذى عن الناس.
إننا حين نتمسك ببساطة الأفراح، وسماحة الضيافة، وأدب الطريق، لا نتبع مجرد “تقاليد قديمة”، بل نطبق منهجاً إلهياً يرتقي بالمجتمع من قيود المظاهر إلى حرية الجوهر. فليكن هدفنا دائماً هو العودة إلى تلك القيم التي تجعل من حياتنا اليومية عبادة مستمرة، ومن عاداتنا جسوراً للمحبة والتراحم واليسر.
IT
