بين فقه الحديث وواقع التواصل الاجتماعي
مدخل إلى الحديث الشريف: يقول النبي ﷺ: “كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ”. هذا الحديث ليس مجرد توجيه أخلاقي عابر، بل هو “قاعدة ذهبية” لضبط حركة المعلومات في المجتمع. يقرر النبي ﷺ أن الإنسان لا يحتاج لابتكار كذبة من خياله ليوصف بالكاذب، بل يكفيه “الإهمال” في فحص ما ينقله للآخرين.
لماذا يُعد “النقل” كذباً؟ اللسان هو أداة التعبير عن الحقيقة، فإذا نطق اللسان بما لم يقع (وهو الكذب)، فقد خان وظيفته. بما أن المجالس والناس يخلطون دائماً بين الحق والباطل، فإن الذي ينقل “كل شيء” يفتح الباب لدخول الأكاذيب في كلامه حتماً. الشرع هنا يحمل الناقل مسؤولية “الفلترة” والتمحيص.
التشبيه بالواقع المعاصر (عصر “الترند” والإشاعة): نحن نعيش في زمن “الانفجار المعلوماتي”. إذا قمنا بإسقاط هذا الحديث على أيامنا هذه، سنجد أن:
-
كبسة الزر (Share): هي المعادِل المعاصر لـ “يحدث بكل ما سمع”. الشخص الذي يقرأ خبراً مثيراً على فيسبوك أو تويتر ويقوم بمشاركته فوراً دون التحقق من المصدر، هو تطبيق حرفي للتحذير النبوي.
-
المجموعات المغلقة (WhatsApp): تنتشر فيها الأخبار الطبية والسياسية المغلوطة كالنار في الهشيم. الشخص “الناقل” يظن أنه يحسن صنعاً بتنبيه الناس، لكنه في الحقيقة يساهم في تضليل المجتمع وتخويفه.
الآثار الاجتماعية والنفسية:
-
فقدان الثقة: المجتمع الذي ينقل أفراده كل ما يسمعون هو مجتمع مهزوز الثقة، لا أحد يعرف فيه الحقيقة من الزيف.
-
الظلم الاجتماعي: كم من بيوت خُربت، وسمعات دُنست، بسبب “كلمة” نقلها شخص لم يتثبت من صحتها.
الخاتمة
إن حفظ اللسان في عصر التكنولوجيا يبدأ من “حفظ الإصبع” عن ضغط زر المشاركة قبل التثبت. الحقيقة أمانة، ونقلها مسؤولية كبرى أمام الله والناس.
IT
